ان اللغة العربية كانت ومازالت من اللغات الغنية بمفرداتها وتراكيبها المتميزة والتي تتسم بتنوع الألفاظ وحتى تنوع الخطوط في الكتابة. فهي من اكثر اللغات دلاله معنوية، ودقة في التعبير، وحسن إختيار للألفاظ.
ومثال على دقة اللغة العربية أنها تُميز بين الأفعال من جهة الفاعل فمثلاً فعل (شرب) فيقولون: شرب الإنسان، ولغ السبع، كرع البعير، عب الطير.
وفعل (نكح) فيقولون: نكح الإنسان، كام الفرس، باك الحمار، نزا التيس، سفد الطير، عاظل الكلب.
وفعل (فقد الجنين) فيقولون: أسقطت المرأة، أجهضت الناقة، سبطت النعجة.
ومن دقتهم ايضاً تباين درجات (الجوع والعطش) فأول الجوع هو الجوع، ثم السغب، ثم الغرث، ثم الطوى، ثم المخمصة، ثم الضرم، ثم السعار. وأول مراتب العطش هو العطش، ثم الظمأ، ثم الصدى، ثم الغلة، ثم اللهبة، ثم الهيام، ثم الآًوام، ثم الجواد، ثم القاتل وهو اعلى مراتبه.
ان اللغة العربية كباقي اللغات تقوم بعملية تقارض الألفاظ وتبادلها مع اللغات الأخرى وذلك ما يحافظ على هذا الغنى الذي تتميز به كما يحافظ على بقائها حية تواكب وتتماشى مع جميع تغيرات العصر.
وأدى ذلك الى دخول الكثير من الألفاظ الأعجمية اليها حيث تكون هذه الألفاظ انتقلت الى اللغة العربية من اللغات الأخرى اما عن طريق الاحتكاك بثقافات هذه اللغات أو قربها الجغرافي منها أو عدة عوامل أخرى، وقد تدخل الكلمة كما هي أو قد يتم ابدال بعض الأحرف وتعديلها بحيث تتناسب مع اللفظ العربي.
وأكبر مثال على وجود الكلمات العربية ذات الأصول الأعجمية هي الألفاظ القرآنية. فبالرغم من الجدل الكبير حول هذه المسألة وتمسك البعض بفكرة أن جميع ألفاظ القرآن عربية ومن أصول عربية مستدلين على ذلك بالآية القرآنية "انا أنزلناه قرآنا عربيا" الا أن هذا لا يمنع أن تكون الكلمة عربية ولكنها ذات أصل أعجمي، أي دخلت الى اللغة العربية منذ زمن بعيد قبل نزول القرآن واستقرت في اللغة واستخدمت فيها لتصبح عربية فيما بعد. هذا وقد يلتمس البعض طريقة أخرى في صياغة الأمر فيشيرون اليه على كونه توافق بين اللغات بقولهم "وافقت لغة العرب في هذه اللفظة لغة النبط أو السريان أو القبط، ويستدل من هذا أن اللفظ وجد في اللغة العربية ووجد في لغة أعجمية ثانية وأن لغة العرب وافقت اللغة الأعجمية في هذا اللفظِ." فكأن اللغة العربية وتلك اللغات تنحدر من أصل واحد.

هناك أمثلة عديدة على الألفاظ الدخيلة على اللغة العربية في القرآن الكريم، منها:

• كلمة (أباريق) في "يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق" (سورة الواقعة آية 18). أصلها فارسي وتعني طريق الماء أو صب الماء على هينة بينما تعني بالعربية الآنية التي يسكب منها الشراب.
• كلمة (الأب) في "وفاكهة وأبا" (سورة عبس آية 31). أصلها من اللغة الآرامية وقيل أيضا أنها أخذت من لغة المغرب وهي البربرية ولكن لا يذكر أن العرب كانت لهم علاقة بالبربر آنذاك ومعناه الحشيش أو ما أنبتته الأرض عموما.
• كلمة (سري) في "قد جعل ربك تحتك سريا" (سورة مريم آية 24). أصلها سرياني وتعني النهر الصغير أو الجدول.
• كلمة (طه) في "طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" (سورة طه آية 1). أصلها سرياني وقيل نبطي، وتعني يا رجل.
• كلمة (طور) في " والتين والزيتون، وطور سنين" (سورة التين آية 2). أصلها سرياني ومعناها الجبل.
• كلمة (القسط) في "ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط" (سورة النساء آية 135). أصلها من اللغة الرومية ومعناها العدل.
• كلمة (الرقيم) في "أصحاب الكهف والرقيم" (سورة الكهف آية 9). أصلها من اللغة الرومية وتعني اللوح.
• كلمة (السندس) في "يلبسون من سندس واستبرق" (سورة الدخان 53). أصلها هندي وهو ما رق من الحرير. بينما كلمة (الاستبرق) أصلها فارسي وبحذف القاف تعني ما غلظ منه.
• كلمة (أليم) في "ولهم عذاب أليم" (سورة البقرة آية 10). أصلها من اللغة العبرانية وتعني مؤلم. بينما كلمة (اليم) في "فاقذفيه في اليم" (سورة الأعراف آية 136) أصلها قبطية وتعني البحر.
• كلمة (النشأ) في "ان ناشئة الليل هي أشد وطأ" (سورة المزمل آية 6). أصلها حبشي وتعني قام من الليل.
• كلمة (قسورة) في "كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة" (سورة المدثر آية 51) أصلها أيضا حبشي معناها الأسد.
• كلمات ذكرت في القرأن أصلها من اللغة القبطية والتي يكون المعنى فيها عكس المعاني العربية مثل:
(الملة الآخرة) في سورة ص آية 7. الآخرة تعني في القبطية الأولى، فهم يسمون الآخرة الأولى والأولى الآخرة.
( وكان وراءهم ملك) في سورة الكهف آية 79 تعني أمامهم.
(بطائنها من استبرق) في سورة الرحمن آية 54 تعني ظواهرها.


أخيرا من الألفاظ التي ذكرت في القرآن بالأصول العربية ولكن استخدمت أيضا اللفظة ذات الأصل الأعجمي كلمة (الله).
وذلك في كلمتي (جبريل و ميكائيل) فقيل أن (جبر) و (ميك) تعني (عبد) و (عبيد) بينما (أيل) هي الكلمة العربية للفظ الله، فكلمة الله هذه التي تستخدم في العربية هي من أصل سرياني وتلفظ " لاها " فاليهود والنصارى يقولون : لاها ، وأخذت العرب هذه اللفظة وعربتها فقالوا: الله .
و قيل أيضا من قبل المتمسكين بفكرة أن كلمة الله أصلها عربي بأنها بدأت هكذا.. كان أصلها في البداية الهاء فقط - أي الضمير الغائب - وذلك كناية عن عدم إمكان اعتبار الاسم لجنابه تعالى في الظاهر، فأثبتوه في نظر عقولهم، فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه مالك الأشياء، فصار " له " ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما.

اذا لاحظنا فالاختلافات في لفظ كلمة الله ليست بالجذرية بل مجرد اختلافات بسيطة في النطق ففي العربية (الله) وفي السريانية (الاها) والشرقيون منهم ينطقون بها (الاهو) وهو كذلك في الآشورية بفتح الهمزة في اللغات الثلاث، وبالعبرانية (الوهيم). ولا تختلف الشعوب السامية في هذا الاسم، وكذلك في مجموعة اللغات اللاتينية، وفي مجموعة اللغات الجرمانية كذلك فالأسم واحد لديهم.
مهما اختلفت الكلمات في اللغات الأخرى ومهما اختلفت الحضارات والديانات فهي لا تختلف كثيرا في هذا الأسم الكريم.